ابن قيم الجوزية

239

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الشرطية ، كمن أمر بالحج والزكاة . فترك أحدهما : لم يسقط عنه الآخر . أما إذا كان أحدهما شرطا في الآخر ، وقد تعذر الإتيان بالشرط الذي لم يؤمر بالمشروط إلا به . فكيف يقال : إنه يؤمر بالآخر بدونه ، ويصح منه بدون وصفه وشرطه ؟ فأين أمره اللّه بذلك ؟ وهل الكلام إلا فيه ؟ . قالوا : وإن قلنا : إنما يجب القضاء بأمر جديد . فلا أمر معكم بالقضاء في محل النزاع . وقياسه على مواقع الإجماع ممتنع كما بيناه . وإن قلنا : يجب بالأمر الأول ، فهذا فيما إذا كان القضاء نافعا ، ومصلحته كمصلحة الأداء ، كقضاء المريض والمسافر والحائض للصوم ، وقضاء المغمى عليه والنائم والناسي . أما إذا كان القضاء غير مبرىء للذمة ، ولا هو معذور بتأخير الواجب عن وقته . فهذا لم يتناوله الأمر الأول ولا أمر ثان . وإنما هو القياس الذي علم افتراق الأصل والفرع فيه في وصف ظاهر التأثير مانع للإلحاق . قالوا : وأما قولكم « إنه إذا لم يمكن تدارك مصلحة الفعل تدارك منها ما أمكن » فهذا إنما يفيد إذا لم يمكن حصول المصلحة على شرط تزول المصلحة بزواله ، والتدارك بعد فوات شرطه وخروجه عن الوجه المأمور به ممتنع ، إلا بأمر آخر : من التوبة ، وتكثير النوافل والحسنات . وأما تدارك غير هذا الفعل فكلّا ولما . قالوا : وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم « إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم » فقد أبعد النجعة من احتج به . فإن هذا إنما يدل على أن المكلف إذا عجز عن جملة المأمور به أتى بما يقدر عليه منه - كمن عجز عن القيام في الصلاة ، أو عن إكمال غسل أعضاء الوضوء ، أو عن إكمال الفاتحة ، أو عن تمام الكفاية في الإنفاق الواجب ونحو ذلك - أتى بما يقدر عليه ، ويسقط عنه ما عجز عنه . أما من ترك المأمور به حتى خرج وقته عمدا وتفريطا بلا عذر ، فلا يتناوله الحديث . ولو كان الحديث متناولا له لما توعده بإحباط عمله ، وتشبيهه بمن سلب أهله وماله . وبقي بلا أهل ولا مال . قالوا : وأما قولكم « إنه لا يظن بالشرع تخفيفه عن هذا العامد المفرط بعدم إيجاب القضاء عليه ، وتكليف المعذور به » فكلام بعيد عن التحقيق ، بيّن البطلان . فإن هذا المعذور : إنما فعل ما أمر به في وقته كما تقدم ، فهو في فعل ما أمر به كغير المعذور الذي صلى في وقته . ونحن لم نسقط القضاء عن العامد المفرّط تخفيفا عنه . بل لأنه غير نافع له . ولا مقبول منه ، ولا مأمور به . فلا سبيل له إلى تحصيل مصلحة ما تركه ، فأين التخفيف عنه « 1 » ؟ . قالوا : وأما قولكم : « إن الصلاة خارج الوقت بدل عن الصلاة في الوقت ، وإذا تعذر المبدل انتقل إلى بدله » فهل هذا إلا مجرد دعوى ؟ وهل وقع النزاع إلا في هذا ؟ فما الدليل على أن صلاة هذا المفرط العامد بدل ؟ ونحن نطالبكم بالأمر بها أولا ، وبكونها مقبولة نافعة ثانيا ، وبكونها بدلا ثالثا ، ولا سبيل لكم إلى إثبات شيء من ذلك البتة . وإنما يعلم كون الشيء بدلا بجعل الشارع له كذلك ، كشرعه التيمم عند العجز عن استعمال الماء . والإطعام عند العجز عن الصيام . وبالعكس . كما في كفارة اليمين . فأين جعل

--> ( 1 ) فإنه حرمان وعقوبة له . لا يتخلص منها إلا بتوبة يعود بها إلى الإسلام صادقا مخلصا ، حريصا على اغتنام الفرص التي يهيئها له ربه الرحمن الرحيم للاتصال به ، والتشرف بمناجاته ، وسؤاله حوائجه ليكون من المفلحين .